عبد الوهاب الشعراني

106

تنبيه المغترين

الخروج على الأئمة وهذا في مقام الكمال للإمام ، واعلم أن دليل القوم في عدم الادخار ما روى أن شخصا أهدى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاث طوائر فأطعم خادمه طائرا منها فلما كان الغد أتته بها فقال صلى اللّه عليه وسلم : [ ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد فإن اللّه يأتي برزق كل غد ] ا ه . فامتحن نفسك يا أخي لعدم ادخار شيء لغد فإن رأيتها مضطربة فقل لها ليس لك في مقام الصالحين نصيب ، والحمد للّه رب العالمين . شدة البلاء ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : اختيارهم شدة البلاء على النعمة والرخاء لأن بذلك يدوم توجههم إلى اللّه تعالى ، ومن أحب اللّه أحب ما يقربه إليه ويذكره به ، وكان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول : من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة فليس هو بفقيه ، وقد دخل جماعة على مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى وهو جالس في بيت مظلم وفي يده رغيف فقالوا له يا مالك ألا سراج ألا شيء تضع عليه الرغيف ، فقال : دعوني فإني واللّه نادم على ما مضى . وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : من وسع اللّه عليه في الدنيا ولم يخف أن يكون ذلك مكرا به فقد أمن مكر اللّه تعالى ، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول : من وجد كل ليل كسرة يابسة يأكلها فليس بفقير ، إنما الفقير من لم يجد شيئا ، وقد كان الربيع بن أنس رحمه اللّه تعالى يقول : إن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا شبعت سمنت وإذا سمنت ماتت ، وكذا ابن آدم إذا امتلأ من الدنيا مات قلبه ، وكان حفص بن حميد رحمه اللّه يقول : أجمع العلماء والفقهاء والحكماء والشعراء على إن كمال النعيم في الآخرة لا يدرك إلا بنقص النعيم في الدنيا اه . واعلم أن من أدلة القوم على هذا الخلق ما ورد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : [ كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه وأصغى بسمعه وحتى بجبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ ] ا ه ، فعلم أن الكاملين ينظرون إلى أهوال القيامة من هذه الدار فذلك هو الذي منعهم لذة الأكل والشرب والنوم والجماع وغير ذلك ، فإنهم والحمد للّه رب العالمين .